ثقافة الاصغاء

حينما أتكلّم عن ثقافة الحوار فغالباً لا أعني تبادل الآراء و التوصّل لنتيجة معيّنة، إنما يتدهور سقف مطالبي للطلب المبدئيّ الوحيد الذي يطلبه الشباب الذين يقعون في مأزق الحوار مع من هُم أكبر سناً.. مطلب أن يُصغى إليّ. حواراتنا تنتهي غالباً بمحاضرة يعيد فيها الطرف الآخر تأكيد آراءه و اجبارك على الاقتناع بها.

اعترف أنني شرسة حينما يصل الأمر لابداء رأيي، و أنني لن أقبل وجهة نظر معيّنة لأن الطرف الآخر يريد اسكاتي و اجباري على وجهة نظره.. لكنني مع هذا تعوّدت طوال حياتي على أنْ أُسكتْ، و أشعر بالريبة تجاه من يتركني أنطلق في ابداء رأيي ليس لشيء غير أنني أشعر بأنني تحوّلت للطرف الذي يفرض وجهة نظره، فنوعيّة الحوار نادراً ما تختلف، و نادراً ما كُنت أنخرط في نقاش مُثمر أجد نفسي فيه أُقنع و أُقنَع، كُنت دائماً أساق لنقطة ما في الحوار فأجدني ابتعدتُ عن الوسط و انتبذتُ من الحوار طرفاً قصيّا. في حوار ميّت كهذا و في ظل تهميش لرأي الآخر و خصوصاً أنهُ آخر: أصغر + آخر أنثى، فتجاه هذا الآخر هنالك اقصاء أو تهميش مُركّب، في ظل هذه الأجواء بدأت في دراستي للماجستير..

فكرة أن يقف برفيسور أو دكتور و يستمع لرأيك الذي بناءاً عليه و على مداخلاتك سيقيّمك صدمتني.. فكرة أن يسعوا لتسنين مخالبي النقاشيّة و يعلموني كيفَ أثبت رأيي و أتمسك به مادامت الحجّة صحيحة كانت شبه صدمة ثقافيّة؛ لا زلت أتذكر بحبور لحظة ناقشني دكتوري في رأي ذهبتُ إليه و أخذ يسألني أسئلة متسلسلة و كأنهُ في لحظة فضول أراد أن يعرف كيفَ أفكّر في مباحث أُخرى مرتبطة برأيي، كنتُ أقول ضاحكة: علّموني أكثر من عشرينَ عاماً كيف أسكت ثم قالوا لي فجأة ناقشي بضراوة.

أبي لمزني بجدٍ اختلط بهزل قائلاً: ” كيفَ يتنازلون للاستماع لأطفالٍ مثلك”    >

و ابتسمت المجموعة التي تضم أخريتان تتدرجان أيضاً في الدراسات العليا ابتسمت ابتسامة العارف، ابتسامة اكتست وجوه المجموعة منهم من أيد رأي أبي و منهم من خالفه.. كُل حزبٍ بما لديهم مقتنعون. هم يعتقدون أن هذا المنهج هو طريقة أكاديميّة تطبّق داخل قاعات الدراسة و لا تتعداها، و أنهم لو تركوا ليقرروا الاسلوب المُتّبع لما اختاروا أن يصغوا لنا؛ لأن هذا طريق عقيم و مجرّد مسرحية أكاديميّة لا تُفضي إلى نتيجة حقيقيّة إيجابيّة.

مفارقة كون جملة أبي صدرت من ثقافة مجتمع كامل، و كون ابتسامتي على تحوّلي لمادة فكاهة و تندّر تصدر من جيل يسعى لكي يسمعه الآخر، كانت أكبر من أن أضحك عليها .. نعم هنالك جزء يذهلني أنه يفوت الكثيرين، فكرة أنت أكبر إذن أنت أعلم: فكرة في منتهى الحماقة، أنا لا أقول بفكرة عدم تعيين كبير يكون له الرأي الأخير .. فنحن في الأخير في مجتمع يحاكي مجتمع القبيلة، و وجود كبير يعني توحّد الكلمة و القوة. لكن الغباء بعينه هو أن تعطي هذه القوّة دفعة واحدة لشخص واحد على حساب آخرين في بيئة و مجتمع بدأت فيه قوى و مؤسسات أخرى تظهر .. حتى لا نكون مجتمع الرأي الواحد، فالرأي إذا لم يكن شورى لم يناسب الجميع، و بالتالي عُصيّ و ظهرت الفوضى.

أن تجعل الذي أمامك يفكرُ بمسئولية ثم يعطي رأيه يعني أن نتخلّصَ من أمثال “القذافي” لو أن ليبيا تخلّصت من الثقافة الأبويّة العسكريّة لما سكتوا على حماقات القذافي و رعونته، و لناصحوه أو عزلوه أو أرشدوه.. بدل أن يحتقنوا دهراً ثم ينفجروا فجأة ! ..

كما تقول العزيزة آلاء (@AalaaMAJ) نحنُ نحتاج لنشر هذه الثقافة، نحتاج لأن نتعلّم التفكير الناقد و تمحيص الآراء و عدم أخذها على عواهنها لأن شخصاً لهُ سلطة رأي علينا يرى أن نأخذ بهذا الرأي.

نحتاج أيضاً للتخلص من سطوة الأسماء الكبيرة التي درجنا على الإعجاب بها، أن نتخلّص من القبول الفوري بآراء آخرين لمجرد أننا معجبون بهم كُل الإعجاب، نحتاج قبل أن نُطالب بثقافة الإصغاء.. أن نكون ناقدين، أن نسحب من أولئك الذين ننبهر بهم أن نسحب منهم تاج الحق المُطلق، و أن ننزلهم منازلهم الحقة، و ألا نحولهم لطغاة فكريين، يملون علينا أفكارنا فإن فعلنا فسنكون قد خصصنا لهم مقاعد الصف الأول و ارتضينا أن نكون ورائهم، و إذ ذاك لا نستطيع لومهم على عدم الإصغاء لنا ؟

 

 

 

 

 

___

هذه الفكرة كانت تلازمني و تُلح عليّ منذُ فترة، كُنت أريد أن أعود للمدونة بشيء خفيف و أن أكتب تدوينة لطيفة ملئى بالسمايلات و القلوب، أو أن أتحدّث عن تطبيقنا الفعليّ لثقافة الإصغاء في الجامعة و ثُلة الصديقات الرائعات اللواتي اختبرتُ معهنّ الشعور بالتبادل الفكري و تلاقح الأفكار، حيثُ ينفضُ جمعنا كل يوم و نعود لمحيطنا فنفتقد بعضنا نفتقد قدرتنا على الكلام.. كأننا محتجزون في فيلم عن بطل بقدرات خارقة، و لكن لا أحد من أهله يشعر بها فهو في بيتهِ مجرّد كائن حيّ عاديّ، و ربما عاتبوه على بلادته و عدم فاعليّته !

 

هههه ربما أعود و أتكلّم عن فكرة البطل الخارق الذي يُهمّش في داره و لا يشعر من حوله بقيمته

نعم كُنت أريد تدوينة خفيفة و لكن يبدو أنها لم تكن خفيفة، و كنتُ أخجل من أعداد زوّار المدوّنة الكبيرة يومياً

، و أخطط للتدوين من أجلكم

نعطي تحذير إذن: الرجاء شرب كميّات كافية من الببسي لهضم المادة المكتوبة أعلاه

Advertisements

8 تعليقات to “ثقافة الاصغاء”

  1. Eman Ahmed (@EmanAG) Says:

    و كأني بك ترمقين قنينة الببسي بيدي D:

    كما ذكرت لكم اثناء حواراتنا “الرقيقة” على مقاعد باحة الجامعة المتربة: ذنبنا ان خلقنا في مجتمع جُبل على ثقافة “اكبر منك بيوم اعرف منك بسنة” و ثقافة “طلعتي و لا نزلتي حدّك مَرَة” و الاتهامات بأننا مجرد فقاعات امتلئت هواء و لا تلبث ان :تنفقع :D” و لا تترك اثراً .. و كذلك ثقافة “الفرد للجميع” مع تجاهل “و الجميع للفرد”..

    مثال بسيط اعرضه عليك, تأملي نوع الإنجاز و حجمه, ثم انتقلي للتعليقات:

    http://www.aawsat.com/details.asp?section=54&issueno=11550&article=577869&search=%D1%E6%C7%E4%20%DA%D5%ED%CF%C7%E4&state=true

  2. Eman Ahmed (@EmanAG) Says:

    نسيت ان اذكر انه تربطني صلة قرابة بالفتاة و هي محاورة ذكية و فنانة جميلة الإحساس و لكن عند نشر الخبر او بالأحرى عند نشر صورة روان من غير حجاب جُن جنون اهالي جدة و الطائف مع العلم بأنه لا أحد منهم يرتدي الحجاب في جدة ! و لكن هي ثقافة ال collective identity التي تصرعنا: افعل ماشئت الى ان يعرف الاخرون ماتفعل و عندئذٍ تقوقع في شرنقة “لا تفضحنا الله يفضحك” !!

    لتتعرفي على روان اللطيفة : http://www.sayidaty.net/article-view.php?aid=6392&cid=55

  3. ماري Says:

    الفقرة الأخيرة أتعبتني جدا؛ ربما لذلك لم يكن من السهل علي تقبل نقد قدواتي الفكرية رغم أنهم في النهاية بشر يصيب و يخطئ

    ممتنة لفكرك الراقي أبرار : *)

  4. أبرار Says:

    هههههههههههه أجل كذا يا البطة ببسي هاه

    أظن أن مجتمعنا بدأ تدريجياً يقلل من التصريح بالمثلين الذين أوردتيهما، و إن كان لا يزال يطبقهما في سلوكه.
    اكتشفت أن التحرر من هذا العذاب النفسي الكامن في نظرة المجتمع يأتي مع “التطنيش” و في نفس الوقت محاولة الوصول للقمة، وحدها القمم تجعل المرء بعيداً أن أيدي العامة و الدهماء و ألسنتهم السليطة.

    أما روان الجميلة فهنيئاً لها انجازها، وجدتْ التعليقات جيدة جداً.. يمكن فلتروها في موقع الجريدة.
    على كل حال الفكرة هنا هي في الازدواجيّة هم لا يتحجبون في الخفاء، لكن حينما يُعلن الأمر يُظهرون صورة أخرى و يهاجمون التي فعلت فعلهم.

    برأيي المتواضع، ما دام أبوا الفتاة راضيين عنها فلا يحق لمخلوق أن يضايقها في العلن..
    إن أراد بذل النصيحة بذوق فيا أهلاً به و نحنُ ممن يحب الناصحين.

    أما من يأتي ليعكّر كل انجاز بتشنيعه بتصرفات الآخرين و هدم معنوياتهم، أو من يأمر الناس بالبر و ينسى نفسه.. فأتمنى من قلبي أن يبعد الله عنا ألسنتهم.

  5. أبرار Says:

    أهلاً بك يا ماري
    شكراً لمرورك العذب والله. يُطبع في قلبي كل الكلام الجميل الذي يبذله لي زوار مدونتي.

  6. هبه Says:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ….وكل سنه وانت طيبة لقد اشتقت لكتاباتك ولكن في نفس الوقت اشعر باني صغيرة جداً مقارنة بك …الله يحميك ويسعدك

  7. فريال Says:

    الإصغاء غاية صعبة المنال يعرفها الجميع ولا يعي معناها إلا القلة 🙂

  8. درر الغامدي Says:

    ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه

    بس بصراحه عجبتني الروايه السعوديه(L)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: