الشوق تكة تكة
العشق حرفا حرفا
الأغنية نغمة نغمة ،
كانوا مُجرد أشياء .. كان تعريفهم بالكلمات
اليوم تعريفهم . .
شعور
الشوق تكة تكة
العشق حرفا حرفا
الأغنية نغمة نغمة ،
كانوا مُجرد أشياء .. كان تعريفهم بالكلمات
اليوم تعريفهم . .
شعور
المقادير :
نسبة عالية من الفقر + نسبة عالية من البطالة + نسبة عالية من الطلاق و نرش عليه شوية بعثات و ملعقة شاي من التكفير وبعد الاستواء..نغطيها بطبقة من النفاق كاملة الدسم
وصحتين و عافية على قلوبكم
أُفكّر بالحقائق الكبيرة في هذه الحياة ،
الموت ..
الولادة ..
الصقيع في قلبي كيف يذوب ،
الزقاق تُبنى،
كيف تختار الحكومات رؤؤسائها .
كيف تعلمت أن أقول ماما
كيف أحببتك ؟
*
كيف أنثر كلماتي في صفحة بيضاء كما يرسم أخي الصغير ورداته الصغيرة بعُلبة ألوانه
كيف تُزهر في قلبك ربيعًا ؟
*
أُفكّر بحبك يُقربني إلى الله
في كُل بداية لي موعدٌ مع النهاية
و في بدايتك لي موعدٌ مع الأزل
لهذا أتحدث عن الموت كثيرًا حينما أُحبك.
.
.
في قراءة لكتاب النصف المضيء من الباب الموارب لنور البواردي كتبت أن لغتها سينمائية و أن ما يميز ما تكتبه هو الرقة و الهدوء، كنت أعرف أني لم أقل كل ما أريد قوله و لذلك قطعت وعدًا بأن أعود للمدونة فأُحلل بعضًا من نصوصها. وجدت النص الأفضل للتحليل الآن و الكاشف للعمق و الطرافة التي أكدتُ عليها، هو:
” المساء: احتفال أصفر”
كُنت أحلم
حين رأسي يُبارح حجرته الضيّقة، و يتسكّع بين المقاهي الرديئة
ذلك قبل أن يتعلّم السير بشكلٍ أفقي مُرتديًا الأصفر الفاقع ويُكثر من
الكلامرأسي، الولد الطيِّب مخلوع الكتف
صاحب الحكايات الباردة و الحزن الفكاهي:
أنا الرأس المُطِلُّ على النافذةِ العلويّة
رفيق من ماتوا باكرًا
قَدَر السماء الجيّد
النصف المضيء من الباب الموارب
الرائحة العالقة بطرفِ المفَارش القديمة
القَدَم التي لا تزلُّ
صديق الفتاة مرتادة المقاهي العتيقة؛ الضَّجِرة ذات القميص الأصفر
الفاقعةالجالسة في الصفِّ الأخير و التي لا يعنيها أن تحلم بعد الآن.
(الولد) يظهر في معظم نصوص البواردي و كأنما هو صيغة تلطُّف في الإشارة لشاب، إشارة تبدو ظاهريًا على شيء من الرقة ولكنها تُبطن نوعًا من التصغير (ربما التحبب؟) ، و هذا النص ليس استثناءًا؛ بعد عدة قراءات وجدت ابتسامتي تتمدد باكتشافي أن التصغير أبطن في هذا النص بالذات محاولة إقصاء.
بين “أحلم” الأولى و “لا يعنيها أن تحلم بعد الآن” يظهر “الولد” الذي لولا ضرورة الحلم و الخيال لما ظهر أصلًا . و بمقارنة حضور “الولد” و “الفتاة”، نجدها تنتزع من الذكر صفة الرجولة و تخلع عليه وصف الولدنة، الذكر ليس يافعًا فحسب و إنما عليل “مخلوع الكتف” تنقصه صفات القوة و الهيبة، حتى حزنه فكاهي. أما الفتاة فحضورها و إن بدى غامضًا لكنها سبب حضور الولد للنص، سبب ربطه بالرأس و سبب إعطائه الفرصة للكلام على اعتبار أن ضمير المتكلم في “كنتُ أحلم” عائد لمؤنث
قبل أن تُعرّف عنه أنه “ولد”، تصمه بـ : “يُكثر من الكلام” و هي صفة تُتّهم بها النساء (رُغم أن علم اللغة الإجتماعي يقول بعكسها ) لكنها هُنا ترمي بها الولد، و كأنها تُهيء لكسر صورته و معاداته، و رُغم هذا يحتفظ النص بأنوثته إن صح التعبير، رقته و سلاسته و بعده عن العنف.
ثمَ تسمح له بالتعريف عن نفسه فيبادر لوصف نفسه بأوصاف إيجابية، فهو قدر السماء الجيد و هو النصف المضيء من الباب الموارب و هو القدم التي لا تزل و هذه العبارات قد لا تكون نزقًا شعريًا بقدر ما تكون عبارات كاشفة عن سخرية مبطّنة من موضع الولد الذي هو رأس و بالتالي عقل و قائد، و هو قدر السماء الجيد (ربما إشارة للذكر الذي يُنظر له كأكبر النعم من السماء)، و هو النصف المضيء من الباب الموارب على افتراض أن الفتى قادر على الإنكشاف في مجتمع موارب ربما، و أتمادى فأقول و القدم التي لا تزل تشير بوضوح لرسوخ الخطوة و بشكل غامض تسكب العبارة بسخرية مُبطّنة فلا تقول الخطوة الراسخة أو القدم التي تتهادى، فهي تنفي و كأنها تثبت أو تسخر من القطع بعدم زلل تلك القدم قط و أبدًا.
و مع غرابة الربط إلا أن لفظة قدم / رِجْل / رَجُل توحي بارتباط القدم بالرجُل و كون السخرية مرتبطة بـ(الرجل) الذي لا يُخطئ و ليس الولد كما تورد العبارة التي تصفه بالولد لكنها لا تعطيه أوصافًا تؤكد حداثة سنه أو طفولته، بل أكاد أقول على العكس .
و تأتي النهاية منفصلة عن كلام الولد و تعريفه بنفسه، مفصولة بسطر فارغ و كأن جملة: “الجالسة في الصفِّ الأخير و التي لا يعنيها أن تحلم بعد الآن.” هو ما ترد به الفتاة ذات القميص الأصفر على الولد، و هي بذلك تُقصيه و تخبره أنها لا تريد أن تحلم و لذلك على الولد أن يعود لحجرته الضيقة بعد توقف رغبتها بالحُلم.
لماذا إذًا لا يظهر هذا الإنفصال بين الفتاة و الولد في خطابهما؟ و كأن الحوار غير واضح المعالم و كأنني و أنا أُحلل أُحيل الكلام لذات الشاعرة على الرغم من أنني لا أقصد ذات نور و إنما الذات التي تُمسك بزمام النص و التي لا نجدها ظاهرة لكن خيالها و عبارتها هي الحاوية لكل النص و هي الكُل الذي منه الجزء (الولد) فهو رأسها فقط، و هي الذات كلها، و هو يُعطى فُرصة ليبارح حجرته و ينطلق، و حينما يؤكد بأنه جيد و أنهُ مضيء و أنه لا يزلّ، و أنهُ أيضًا صديقها كاشفًا حالة ضيقها و ضجرها، تختم بأن تحرمه من الاستمرار و تقصيه إذ فقدت رغبتها بأن تحلم بعد الآن. هي هُنا لا تُصرّح بأنها قوية و لا تقول جهارًا بأنه ضعيف مهزوز، مُبالغ في إطراءه و أنهُ كثير الكلام.. لكنها تشير بوضوح لذلك.
و هي كذات اعتبارية تكشف حالة شعريّة وجدانية لكنها لا تختار أن يكون بطلها أُنثى بل تختارهُ ولدًا (أنيموس ربما؟) ، و لهذا كان في تحليلي أعلاه تجاهُل للمعنى الواضح للنص كصراع داخلي، و تعمق مفرط في تحليل دلالة التشبيه بالولد و حضوره هكذا باهتًا.
اترك تحليل النص تحليلًا سلسًا واضحًا لقراء آخرين، و أُعرض هذا التحليل لأُوضح الزاوية المخصصة التي رأيت من خلالها النص و استمتعت به. ربما أعود و أحلل نصوص أُخرى لو وجدت متسعًا من الوقت.
عندما تساق جملة “رجلٌ و الرجال قليل” فإنني غالبًا ما أكون منتشية بالحدث الذي قُلّدَ عليه ذلك الرجل وسام الرجولة، و اعتقد بطريقة طفوليّة بأن التأكيد على رجولته هو تأكيد على أهليته للانتماء لجنسه و بالمُحصله انتماءه لإنسانيته.
لكني أجد أن المرأة حينما تُمتدح و خصوصًا لشجاعتها و اتخاذها موقفًا فإنها تُنسب للرجل فيقال عنها: “أخت رجال” أو “بنت رجال”
و تحاول أمي تهدئتي بأن هذه المقولات تقال أيضًا للفتى حينما يُصيب فيهتفون قائلين عنه أنه: “من ظهر رجال”
ولكني أعتقد بأن هذه التعبيرات تقول المستور و الذي يمر بلا وعي و يتسرب لكلامنا الذي نحسبه راقيًا، يحترم المرأة و هو مستمد من الدين الذي أمر أن تخاطب المرأة بخطاب لائق بها و تخصص الأم عن الأب بحسن الصحبة.
حينما نغفل عن تمحيص كلامنا و تحكيمه لمبادئنا تخرج الأفكار غير المفلترة و التي في حقيقتها تعبّر عن (قناعاتنا) نحن مؤمنون بأن المرأة تابع و هذه التبعيّة مهمة جدًا في تعريفها
و لهذا حينما تدعم الفكر الذكوري و مبادئه بطريقة عمياء و مخلصة فإنها تُكافأ بإلصاق لقب: “حررررمة”
حرمة كلقب نادرًا ما يورد في سياق المديح في المجالس الرجالية هو لقب يُستثنى من الذم على خوصيته الأنثوية في حالة واحدة: التضحية بالاستقلالية و إظهار التبعية و التفاني التام للرجل أو للمبادئ الإجتماعية الذكورية.
لا أحب أن أبدو متعصبة للمرأة بفكر نسوي قد يبدو غربيًا على أحسن الأحوال، أو تغريبيًا على أسوأها.
أنا أريد أن أقدم مرآة (آمل ألا تكون مشروخة بتحيزي) مرآة أحملها لأرى و نرى أنفسنا بكل شفافية كما نحنُ بالضبط بدون مكابرات.
.
.
.
البعض أخذ هذا الفديو المشاغب على أنه ضحك و تريقة، شفته من فترة و خليته على جنب.. حسيته يقول شيء أكثر من مجرد محاولة للتريقة و افتعال الضحك.
اليوم و بعد شهور شفته مرة ثانية، و بدى لي كأنه محاولة لإثبات “فنيّة الفن”
بمعنى الفن من أجل الفن، قدرة الفن على الوصول بسبب جماله بغض النظر عن مضمونه؛ صوت الأوبرا القوي و المؤثر تخطى مرحلة إثارة اهتمام المستمع لتفاصيل ما يغنيه كثر الاستمتاع بسطوة الصوت و الإنفعال.
و أنا أكتب التدوينة كنت أسمعه بدون ما أشوف الكلام، و بشكل غريب صرت أسمع نفس الكلام اللي كتبه اللي صلح الفديو ! ” صلصة بدون كيس ! … إلخ إلخ “
و هو الشيء اللي يذكرني بهيمنة فكرة معيّنة في تحليل عمل فنّي معيّن، و يبدأ القارئ العادي أو الناقد المبتدئ، يبدأ يجد الفكرة تُلح عليه بدون قدرة حقيقية على دحضها
و بالتالي تتناسخ الفكرة و تهيمن على قراءة عمل و تحليله مع إنها في حقيقتها فكرة متسلّطة غير دقيقة و غير متعمّقة.
وش رأيكم إنتم ؟
![]()
أتعذّب لأن ما عبرَ شفتيه من قصيد لا يعود .. لا يعود أبدًا
و هو كقطر الندى، كدمعتي المسفوحة، كفكرتي التي يغص بها قلبي و أنسى دومًا أن أكتبها
كالريح لا تعبر نفس المكان مرّتين، أم أنها تعبُر ؟
حينما ننسى ضم أيدينا لقطر المطر فإنه يتساقط كحبات اللؤلؤ و يضيع ..و حينما نضمها فإن أكُفنا أصغر من احتمال كرمه
و هو بالتأكيد سيفيض .
إلى أين تذهب قصائدك و معانيك التي لا نفهمها ؟
هل تختفي ؟
أنت تراهن على وعاء الكلمة و لكن حتى هو يتآكل مع الزمن و تتناوبه ذاكرتنا القاصرة
و لا يبقى منه إلا ما وعينا !
أجبني و لا تبتسم سعيدًا سعادة طفل أن قصيدته قد أطربت معجبة ،
حاول أن تفكّر معي فقلبي حزين جدًا يوجعه وجهك البريء أكثر من اللازم حتى بشعر لحيتك الذي يعلن أنك بلغت سن الرجولة
عيناك البريئتان تعلنان بصوت فاضح أن ما تقوله لحيتك و سوالف صدغيك كذب. كذب. كذب.
و أن ما تقوله قصيدتك هو الحقيقة .
أما قلبي فيتكفّل بوخزي بلحظات إلهام تخبرني بأننا سننسى قصائدك.. و أننا سنفشل عن فهمها تمامًا
و ستضيع أنت في الترجمة
*
أنا لا أحبك بالضبط، و لا أتجاهلك تمامًا
أنا لستُ معجبة بك لأنني لم أفهم بشكل كامل أنني أحببتك سلفًا
و أن قلبي المشغول بالكثير من الأشياء مدفون تحت ركام كتم على أنفاسه
و أنا من تحت الركام أبحث و أُدرك جيّدًا أني سأجدك
و أن صوت قلبي سيهتف باسمك لو أعطيته سانحة
و لذا .. و قبل أن يجتثني قلبي، أتشبّث ببعض المنطق .. أحرر لك أفكاري التي لم تقضم منطقها عاطفتي، بعد ـ
استعدادًا لك أُشهر في وجهك بعض النقاش لكي يتأخر تقدّمك .
كما نُكثر من الجمل المُعترضة قبل اتمام سطر و كأننا نُكثر من الحواجز و العوائق دون الختام.
هي اللحظة التي سأتوقّف فيها عن قراءة قصيدتك لأفك شفرتك، اللحظة التي أخرتها بما يكفي بالاستطراد ..
اللحظة التي يتجلّى فيها عقل الأُنثى حينما يرفض العالم الاستماع لها و يكتفون بالطرب لصوت ارتباكها الفاتن
و كأن كلماتها تتهاوى من آذانهم و تصل الهمهمات
تلك اللحظة سأفهمك. سأفهمك أنا وحدي . سأكون قصيدتك
و سأتمرّد عليك، ستقصد ما تقصده و سأقصد أنا أمرًا آخر
لكني أعدك ـ وعدًا مُخلصًا أُقسم لك ـ بأنني سأكون أمينة مخلصةً لوطني و لشاعري
لكني سأنتزع المعنى من بطن الشاعر.
سأكون أنا المعنى. و سيكون غير قابل للنسيان..

من يذكر هالكوب ؟ أيام المسرحية الشكسبيريّة ![]()
ألحين ندرس مسرح العبث .. الله يا الدنيا أيام ما كنت أحتج على فكرة هالمسرح
و أقول الدنيا يكفيها سخافتها عشان نكتب شي سخيف يزود الطين بلّة
بغض النظر عن إن فكرتي الأولى سليمة كمنطلق و مبدأ
، بما إن الأدب يعطي تصوّر منظّم و أكثر ترتيبًا من الحياة للحياة..
لكن اكتشفت إن مسرح العبث من أجمل الأنواع
، فيها عمق و لقراءته متعة و يخلي الإنسان يتمعّن بالحياة و يشوف نفسه و يتفكّر فيها .
الصورة هذي أهديها لأبرار اللي كانت تدرس بأول ثانوي .. المقلمة البنيّة ظليت وفية لها من هذيك الأيام و بعد ما تخرجت
و لأبرار اللي كانت تدرس بالجامعة: قال الأبسورد ثييتر سخافة قال، امسكي نفسك ألحين من مدح سامويل بيكيت أول ما يطرّون ويتينق فور قودو ![]()

عندما نتكلم عن الرواية السعوديّة فإن نظرة خجل تظهر على قسماتنا، هنالك شيء من الشعور بالنقص نشعر به حينما نتكلم عن الروايات السعوديّة.. عادة يرتبط هذا النقص بسوء سمعة مضامين رواياتنا، و أحيايين أخرى يرتبط بشعورنا بالإحباط من المستوى الفني المتدني لبعضها؛ استطيع أن أقول بأن موقفنا من أي عمل أدبي ينبع من تصوّرنا لغرض هذا النوع الأدبي الذي يندرج تحته هذا العمل.
مما درسته أكاد لا أجزم بشيء أكثر من جزمي بأن لكل قارئ فلسفته للأدب، فهو شيء من نفح اللغة، فيه ما في اللغة من غموض الإنسان (المشكل للغة و الأدب) و سوء فهمه من قِبل الآخرين.
ما نجمع عليه كلنا هو أن الأدب مرتبط بالمتعة، المتعة و مبدأ المتعة هو المبدأ الذي أحكم من خلاله على أدب ما هل هو ناجح أم فاشل، ما سوى ذلك تتناوب عليه مفاهيم كل شخص عن “ماهيّة الأدب؟ و مغزاه”
إذا انطلق أحدنا يسبّ و يشتم في الرواية السعوديّة و هشاشتها الفنيّة و قيمتها الركيكة، أو اعتداء احداها -المزعوم- على الذات الإلهيّة، فإننا سنرد ذلك لـ: “ماذا أردتَ أن ترى في هذا العمل؟” ( أو بعبارة أخرى ما مفهومك عن الرواية؟/ لماذا نكتبها؟ /ماذا تتوقع منها )
هل أردت كتابًا في الأخلاق و القيم؟؟ أم أردت كتاب صيد الفوائد ؟! أم أردت عملًا فنيًا يعكس روح مواطنك ( أو في حالة قراءة عمل أجنبي روح بلد هذا الروائي) و محيطها و منظومة أفكارها ؟ و صراعه هو/ هي، بأفكارهما المستقلة الخاصة و المواجه بين الفكرين. [ كأنها مصداق الآية: وجعلناكم شعوبًا و قبائلَ لتعارفوا.. ]
هل نريد من رواياتنا أن تكون عظيمة مؤثرة كما كانت الأعمال الأجنبيّة ؟
هل نريد أن يكون دورها في المجتمع أكثر من هامش الحدث، جانب المتعة إلى جانب الفعل و التأثير ؟
هل نريد أن تعكس صورة جميلة عنّا ؟؟!
كل هذه أسئلة منطقيّة تنبع في كل سؤال من تصوّر معيّن لقراء شتىّ ينظرون للرواية بنظرات متباينة، و يتوقعون منها أمورًا متباينة أيضًا. و لا بأس في هذا فالقراءات تتعدد بتعدد القرّاء و التوقعات أيضًا، ما يؤلم أكثر ما يؤلم هو أننا مجمعون على أن الرواية عندنا متقزّمة، الكُتّاب يظهرون فُرادى كأنما هم طفرات جينيّة و ليسوا نتاج وعي و دراسة و موهبّة، أعلم أن البعض قد يخرج فيقول الفن موهبّة و نحنُ لا ندفعه.. لكنني أجد أن الهواة أثخنوا جراح الرواية بعبثهم و رواياتهم الهشّة لدرجة مخزية. كيف يتسابقون للنشر و كأنهم كتبوا تحفة زمانهم و كيف يكيل الصحفيون المدح بالمكاييل كالعطارين ينادون و “يحرّجون” على أعمال سخيفة يشوهون معها مصداقيتهم؟!
نادرًا ما أقرأ نقدًا أدبيًّا من متخصص، نقدًا يأتي حازمًا و شديدًا حتى على المميزين من الأديبات و الأدباء و المميزة من الروايات. يندر أن يأتي أو تأتي متخصصة في الأدب فينتجان عملًا أدبيًّا فيه من شموخ ما درسوه و يحاكي مفهومهم المكتمل ( أو شبه المكتمل) للأدب عالي الحبكة متقن الكتابة رفيع المعالجة.
يبث هذا بداخلي حزنًا مرده أننا هواة في الرواية و لا أعتقد أننا أخذناها على محمل الجد إلا لمامًا، و أننا ننطلق في الكتابة و ننتهي من المتعة اللغويّة و إليها، و هذا ليس عيبًا بل مزيّة شرط ألا يكون هو أساس العمل و ألا يقترن بضعف موضوع أو ثيم الرواية.
هذا يقودنا لمحور آخر مرتبط بمسألة الثيم أو الحدث المحوري في الرواية:
يربط إدوارد سعيد بزوغ فجر الرواية في أوروبا بالأطماع الاستعماريّة (١) و الرواية نفسها تجنح لأن تكون بصورة ما توثيقًا مُملّا لحياة رتيبّة، الباعث على إشراك القارئ في هذه القصة هو وجود حدث.
حدث كبير نحتاج معه لتوثيق دقيق و مُفصّل .. يغوص في وجدان الشخصيّات و كأنما يغترفُ شعرًا ثم يعود فيخرج للحدث يصفه و يوثقه كأنه جنس كتابيّ أقرب للمقالة. يستخدم عمقين في سبر الحدث و تبعاته؛ فالحدث في الرواية أكبر من مجرد حدث اعتياديّ يمكن أن نقعّر اللغة لتجميله (كما في الشعر)، نحتاج للغة شفافة تنقله كما هو.
و إذا كان ارتباط الرواية بالاستعمار و انطلاقها بلسان و قلم الأمة المُستعمِرة، و كون الحدث الذي تنقله الرواية قد بدأ بها و لازمها؛ فإن الرواية ما بعد الاستعمارية جاءت لتحكي و تتحدث باسم الشعوب المُستعمَرة،
أنا شخصيًا لا أجد للرواية فكاكًا عن هذه القضايا ( ليس بالضرورة الاستعمار، إنما مواضيع حاسمة في تاريخ الشعوب)، و لهذا نجد أن الأدب المُحتفى به لا يبالي بروايات معاصرة مثل روايات ستيفن كينغ، دانييل أستيل، أودري نيفينغر.. إلخ إلخ
و يبعث هذا تساؤلًا مُلحًّا مَن من المُعاصر يستطيع بلوغ المقام العالي للروايات العظيمة ؟ و هل سيعود يومًا البريق الماسيّ للروايات الإنجليزيّة و الأمريكيّة مثلًا ؟!! بعد أن تحول البريق نحو روايات أمريكا اللاتينيّة و أفريقيا .
لماذا هذا الإنفصال التام بين الشعبي و الجماهيري الذي يحتفي به الجمهور و بين المُحتفى به بين الأوساط الأدبيّة؟
هذا برأيي لا يعود لضعف في الرواية المعاصرة نفسها و إلا لما نجحت بين الناس، إنما يعود لهشاشة في الحدث و اعتياديّته و بالتالي عدم قدرته على التأثير على كل القراء المحليين في التعبير عنهم، و بهذا تُطرح منه الأهميّة القوميّة أو الوطنيّة التي قد تُشكّل عنصر جذب للخارج. لهذا أشاهد كيف يحتفى بالروايات ما بعد الاستعمارية(٢) مع أنها معاصرة للصميم؛ لكنها تحكي واقعها الفريد بقدرة ما على الحديث مع النفس و للنفس و لكن بحضور مميز خفيّ لـ( الآخر) و من هُنا يأتي هذا الآخر ليقرأ فيجد نفسه موجودة باختفاءها، موجوده بعدم وجودها: بمساحة فراغ مُرسومة بالضبط على قياسات هذا الآخر الغائب. (٣)
لا أزال أتذكر الضجيج الذي حدث إثر رواية بنات الرياض و كيف كانت بعض الأقسام الجامعيّة الأوروبيّة مهتمّة بها لدرجة تقرريرها في قائمة القراءات في مقرراتها، و لا أنسى التقارير التلفزيونيّة الألمانيّة التي صادفتها في يوتيوب و فضولهم العلميّ الشديد تجاه السعوديين و تقريرهم عن صرعات بعض المراهقين بالتعلّق بأبواب السيارات و التزلّج على الاسفلت.. و تقريرٌ آخر أقل غرابة.
إنّهم مُهتمّون و إننا راضون و قانعون بأن تنمّطنا الأفلام و ينمّطنا روائيونا و نكتفي بالتفرّج و كتابة الروايات الذاهلة عن هويّتنا و حقيقتنا.. لا أطالب بالتوجه للرواية الواقعيّة فالعالم تخطانا بأنواع أُخرى و أحرى بنا ألا نعلق بالواقعيّة و نسجن أنفسنا بها؛ إنما يجب أن تظهر بصمتنا الفنيّة و ألا نكون بهذه الخفة و الشفافيّة فلا يكون لقوام أعمالنا الروائية نكهة خاصة.
ربما نحتاج فقط لمن يكتُب للداخل قبل الخارج، يكتُب للأدب و الفن فيه و لا ينظر للترجمة في الخارج و الانتشار العالمي أو الشهرة الآنيّة من خلال تنميطنا أكثر.
نحتاج لمن يعطي صنعته بعضًا من طاقته، لمن يحكي الناس و ثقافتهم و منظومتهم الفكريّة دون أن ينظر لهم من علو كأنما ينتقدهم من فوق برج عال. بطريقة فجّة و مُباشرة. نحتاج فعلًا في ظل محاولة تشويه صورتنا الخارجيّة في الأفلام الأمريكيّة و الخيال الشعبي الأجنبي إلى أن نفهم هويتنا و نوثّق هذه المغامرة روائيًا، فنصنع نحنُ هويتنا لكي نُعطي صورة حقيقية بجمالها ـو بشاعتهاـ عنّا، نحتاج من جانب آخر لمن يتوقف عن تغذية الرواية بالتوجّه الإسلاميّ أو الرواية الإسلاميّة
كأنما يقرر لها من البداية كيف تُقرأ و كيف تؤخذ الفائدة منها؛ العمق في الرواية نابع من أن تضع نفسك موضع التمحيص و النقد،
لذلك لا تضع المبادئ في رواية.. لأن الغرض من الرواية تشريح الشخوص بلا حصانة لكي نفهم العالم أكثر .
و هنا يمكن التحدّي؛ كيف نصنع إرثنا الأدبيّ و نصنع لأنفسنا تاريخًا أدبيًّا في هذا الجنس الأدبي تحديدًا؟ هذا الجنس الذي نجح مع غيرنا و كُتبت نماذجه الفذّة بلغات غير لغتنا.. ممن نستقي؟
لا زلنا نمشي و نتعثّر، و لا أظن أن أحدًا من غير المتخصصين يعرف من هو حامد دمنهوري أو عبد العزيز مشرّي الغامدي و و و
لهذا نحنُ بوجهة نظري المتواضعةـ لا نزال نعيش مرحلة النهوض و التعثّر، كم اسمًا قديمًا من الروائيين نتذكّر ؟
الأدب هو ما يصمد في اختبار الزمن و يضل يضج و يحدث أثره مع مرور الزمن، تفحصوا هذا الرابط (٤) و القائمة في آخره؛ كم اسمًا تذكرته و كم اسمًا تعرفه؟! هذا يعني أنهم لم يؤثروا على تقاليد الرواية عندنا.
ماذا عن المعاصرين ؟ هل سنتذكرهم ؟
هذا بالضبط، هذا السؤال و إجابته.. هو ما يحدد أين نقف من الماضي و ما نوع المستقبل الذي نسير له ؟
الرياض
١٤/نوفمبر ٢٠١١
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حينما أتكلّم عن ثقافة الحوار فغالباً لا أعني تبادل الآراء و التوصّل لنتيجة معيّنة، إنما يتدهور سقف مطالبي للطلب المبدئيّ الوحيد الذي يطلبه الشباب الذين يقعون في مأزق الحوار مع من هُم أكبر سناً.. مطلب أن يُصغى إليّ. حواراتنا تنتهي غالباً بمحاضرة يعيد فيها الطرف الآخر تأكيد آراءه و اجبارك على الاقتناع بها.
اعترف أنني شرسة حينما يصل الأمر لابداء رأيي، و أنني لن أقبل وجهة نظر معيّنة لأن الطرف الآخر يريد اسكاتي و اجباري على وجهة نظره.. لكنني مع هذا تعوّدت طوال حياتي على أنْ أُسكتْ، و أشعر بالريبة تجاه من يتركني أنطلق في ابداء رأيي ليس لشيء غير أنني أشعر بأنني تحوّلت للطرف الذي يفرض وجهة نظره، فنوعيّة الحوار نادراً ما تختلف، و نادراً ما كُنت أنخرط في نقاش مُثمر أجد نفسي فيه أُقنع و أُقنَع، كُنت دائماً أساق لنقطة ما في الحوار فأجدني ابتعدتُ عن الوسط و انتبذتُ من الحوار طرفاً قصيّا. في حوار ميّت كهذا و في ظل تهميش لرأي الآخر و خصوصاً أنهُ آخر: أصغر + آخر أنثى، فتجاه هذا الآخر هنالك اقصاء أو تهميش مُركّب، في ظل هذه الأجواء بدأت في دراستي للماجستير..
فكرة أن يقف برفيسور أو دكتور و يستمع لرأيك الذي بناءاً عليه و على مداخلاتك سيقيّمك صدمتني.. فكرة أن يسعوا لتسنين مخالبي النقاشيّة و يعلموني كيفَ أثبت رأيي و أتمسك به مادامت الحجّة صحيحة كانت شبه صدمة ثقافيّة؛ لا زلت أتذكر بحبور لحظة ناقشني دكتوري في رأي ذهبتُ إليه و أخذ يسألني أسئلة متسلسلة و كأنهُ في لحظة فضول أراد أن يعرف كيفَ أفكّر في مباحث أُخرى مرتبطة برأيي، كنتُ أقول ضاحكة: علّموني أكثر من عشرينَ عاماً كيف أسكت ثم قالوا لي فجأة ناقشي بضراوة.
أبي لمزني بجدٍ اختلط بهزل قائلاً: ” كيفَ يتنازلون للاستماع لأطفالٍ مثلك” >![]()
و ابتسمت المجموعة التي تضم أخريتان تتدرجان أيضاً في الدراسات العليا ابتسمت ابتسامة العارف، ابتسامة اكتست وجوه المجموعة منهم من أيد رأي أبي و منهم من خالفه.. كُل حزبٍ بما لديهم مقتنعون. هم يعتقدون أن هذا المنهج هو طريقة أكاديميّة تطبّق داخل قاعات الدراسة و لا تتعداها، و أنهم لو تركوا ليقرروا الاسلوب المُتّبع لما اختاروا أن يصغوا لنا؛ لأن هذا طريق عقيم و مجرّد مسرحية أكاديميّة لا تُفضي إلى نتيجة حقيقيّة إيجابيّة.
مفارقة كون جملة أبي صدرت من ثقافة مجتمع كامل، و كون ابتسامتي على تحوّلي لمادة فكاهة و تندّر تصدر من جيل يسعى لكي يسمعه الآخر، كانت أكبر من أن أضحك عليها .. نعم هنالك جزء يذهلني أنه يفوت الكثيرين، فكرة أنت أكبر إذن أنت أعلم: فكرة في منتهى الحماقة، أنا لا أقول بفكرة عدم تعيين كبير يكون له الرأي الأخير .. فنحن في الأخير في مجتمع يحاكي مجتمع القبيلة، و وجود كبير يعني توحّد الكلمة و القوة. لكن الغباء بعينه هو أن تعطي هذه القوّة دفعة واحدة لشخص واحد على حساب آخرين في بيئة و مجتمع بدأت فيه قوى و مؤسسات أخرى تظهر .. حتى لا نكون مجتمع الرأي الواحد، فالرأي إذا لم يكن شورى لم يناسب الجميع، و بالتالي عُصيّ و ظهرت الفوضى.
أن تجعل الذي أمامك يفكرُ بمسئولية ثم يعطي رأيه يعني أن نتخلّصَ من أمثال “القذافي” لو أن ليبيا تخلّصت من الثقافة الأبويّة العسكريّة لما سكتوا على حماقات القذافي و رعونته، و لناصحوه أو عزلوه أو أرشدوه.. بدل أن يحتقنوا دهراً ثم ينفجروا فجأة ! ..
كما تقول العزيزة آلاء (@AalaaMAJ) نحنُ نحتاج لنشر هذه الثقافة، نحتاج لأن نتعلّم التفكير الناقد و تمحيص الآراء و عدم أخذها على عواهنها لأن شخصاً لهُ سلطة رأي علينا يرى أن نأخذ بهذا الرأي.
نحتاج أيضاً للتخلص من سطوة الأسماء الكبيرة التي درجنا على الإعجاب بها، أن نتخلّص من القبول الفوري بآراء آخرين لمجرد أننا معجبون بهم كُل الإعجاب، نحتاج قبل أن نُطالب بثقافة الإصغاء.. أن نكون ناقدين، أن نسحب من أولئك الذين ننبهر بهم أن نسحب منهم تاج الحق المُطلق، و أن ننزلهم منازلهم الحقة، و ألا نحولهم لطغاة فكريين، يملون علينا أفكارنا فإن فعلنا فسنكون قد خصصنا لهم مقاعد الصف الأول و ارتضينا أن نكون ورائهم، و إذ ذاك لا نستطيع لومهم على عدم الإصغاء لنا ؟
___
هذه الفكرة كانت تلازمني و تُلح عليّ منذُ فترة، كُنت أريد أن أعود للمدونة بشيء خفيف و أن أكتب تدوينة لطيفة ملئى بالسمايلات و القلوب، أو أن أتحدّث عن تطبيقنا الفعليّ لثقافة الإصغاء في الجامعة و ثُلة الصديقات الرائعات اللواتي اختبرتُ معهنّ الشعور بالتبادل الفكري و تلاقح الأفكار، حيثُ ينفضُ جمعنا كل يوم و نعود لمحيطنا فنفتقد بعضنا نفتقد قدرتنا على الكلام.. كأننا محتجزون في فيلم عن بطل بقدرات خارقة، و لكن لا أحد من أهله يشعر بها فهو في بيتهِ مجرّد كائن حيّ عاديّ، و ربما عاتبوه على بلادته و عدم فاعليّته !
هههه ربما أعود و أتكلّم عن فكرة البطل الخارق الذي يُهمّش في داره و لا يشعر من حوله بقيمته
![]()
نعم كُنت أريد تدوينة خفيفة و لكن يبدو أنها لم تكن خفيفة، و كنتُ أخجل من أعداد زوّار المدوّنة الكبيرة يومياً
![]()
، و أخطط للتدوين من أجلكم
![]()
نعطي تحذير إذن: الرجاء شرب كميّات كافية من الببسي لهضم المادة المكتوبة أعلاه
![]()